أهم الأخبارملفات وحوارات

من قصر أمير مملوكي إلى قلعة الطب العربي.. حكاية قصر العيني

على مدار أكثر من خمسة قرون ونصف، ظل اسم قصر العيني حاضرًا في قلب التاريخ المصري، شاهداً على تحولات سياسية وعسكرية وثقافية وطبية كبرى، حتى أصبح اليوم أحد أبرز رموز القوة الناعمة، ومنارة للطب والتعليم في العالم العربي وأفريقيا.

من قصر مملوكي إلى أيقونة تاريخية
تبدأ الحكاية عام 1466م، عندما شيد الأمير المملوكي شهاب الدين أحمد بن عبد الرحيم بن بدر الدين العيني قصرًا فخمًا على ضفاف النيل بمنطقة الروضة.

لم يكن القصر مجرد مقر إقامة لأحد كبار رجال الدولة، بل كان تحفة معمارية وعلمية ضمت معامل للكيمياء والطبيعيات وصيدلية ومرافق متطورة بمعايير عصرها.

حظي الأمير” ابن العيني” بمكانة استثنائية لدى سلاطين المماليك، فجمع بين النفوذ السياسي والاهتمام بالعلوم، الأمر الذي انعكس على تصميم قصره الذي تحول إلى معلم بارز في القاهرة المملوكية.

رحلة طويلة من التحولات
بعد وفاة ابن العيني عام 1503م، انتقلت ملكية القصر إلى الدولة، لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخه الحافل. وخلال القرون التالية، تنقل القصر بين وظائف متعددة؛ فكان مقرًا للحكم، وقصرًا للضيافة، وسجنًا للأمراء، ومكانًا للحبس الجبري، ثم أصبح مقرًا للتكية البكتاشية التي كانت من أكبر المؤسسات الصوفية في مصر.

وعندما دخلت الحملة الفرنسية مصر، حوّل نابليون بونابرت القصر إلى مستشفى عسكري محصن للجنود الفرنسيين، وشهدت حدائقه دفن الجنرال كليبر عقب اغتياله عام 1800م قبل نقل رفاته إلى فرنسا.

محمد علي وبداية النهضة الطبية
مع مشروع التحديث الذي قاده محمد علي باشا، دخل قصر العيني أهم مراحله التاريخية. ففي عام 1825م تحول إلى مدرسة حربية، ثم صدر القرار في ثلاثينيات القرن التاسع عشر بإزالة القصر القديم وإقامة أول مدرسة طبية حديثة في مصر على أنقاضه.

وفي عام 1837م افتتحت مستشفى قصر العيني أبوابها للجمهور، ثم افتتحت المدرسة الطبية رسميًا تحت إشراف الطبيب الفرنسي الشهير كلوت بك، لتصبح النواة الحقيقية للطب الحديث في مصر والشرق الأوسط.

وخلال سنوات قليلة، نجحت المدرسة في تخريج مئات الأطباء الذين شاركوا في بناء المنظومة الصحية المصرية، قبل أن تُضم إلى جامعة القاهرة عام 1908، لتصبح إحدى أهم كليات الطب في المنطقة.

قصة الهدم وإعادة الميلاد
شهد القصر الأصلي عمليتي هدم تاريخيتين؛ الأولى عام 1837 لإقامة مدرسة الطب، والثانية عام 1990 لإقامة المستشفى التعليمي الحديث المعروف بـ«الفرنساوي»، والذي افتتح رسميًا عام 1996 بحضور الرئيس الأسبق حسني مبارك والرئيس الفرنسي جاك شيراك.

ورغم اختفاء القصر المملوكي الأصلي من موقعه التاريخي، فإن اسمه ظل حاضرًا بقوة، ليصبح رمزًا للتعليم الطبي والعلاج والبحث العلمي.

قوة مصر الناعمة في الطب
لم يعد «قصر العيني» مجرد اسم لمستشفى أو كلية طب، بل تحول إلى مؤسسة وطنية خرّجت عشرات الآلاف من الأطباء والعلماء، وأسهمت في علاج ملايين المرضى من مصر والدول العربية والأفريقية.

ومن خلال تاريخه الممتد من قصر مملوكي على ضفاف النيل إلى أكبر صرح طبي وتعليمي في المنطقة، يظل قصر العيني نموذجًا فريدًا لقدرة مصر على تحويل إرثها التاريخي إلى قوة ناعمة مؤثرة، تجمع بين الحضارة والعلم وخدمة الإنسان.

سماح سعيد

سماح سعيد كاتبة صحفية مصرية،عضو نقابة الصحفيين
زر الذهاب إلى الأعلى