أهم الأخبارمقالات

هل سيصحح التاريخ أخطاءه في حق نساء غرينلاند؟

بقلم/ فوزي حساينية
متصرف مستشار بقطاع الثقافة والفنون – الجزائر

قد يبدو هذا الخبر بعيدًا جغرافيًا، لكنه في جوهره قريب إنسانيًا وتاريخيًا، ويهمنا نحن الجزائريين قبل غيرنا، لأننا ندرك جيدًا معنى الاستعمار، ونعرف أن جرائمه لا تسقط بالتقادم، ولا تُمحى بالإنكار.

ابتداءً من الأول من جوان 2026، ستشرع الجهات الرسمية في مملكة الدنمارك في استقبال طلبات التعويض المقدَّمة من قبل آلاف النساء من السكان الأصليين لجزيرة غرينلاند، من شعب الإنويت، اللواتي تعرّضن، على مدار عقود، لإجراءات تعسفية هدفت إلى حرمانهن من حقهن الطبيعي في الإنجاب.

فبين عامي 1960 و1991، مارست السلطات الدنماركية سياسة ممنهجة تقوم على تركيب اللولب للفتيات والنساء دون علمهن أو موافقتهن الحرة والواعية، ودون تقديم أي شروحات طبية حول طبيعة الإجراء أو مدته أو آثاره الصحية والنفسية المحتملة. ممارسة لا يمكن توصيفها إلا باعتبارها جريمة استعمارية مكتملة الأركان، تنتهك الجسد والكرامة والحق في تقرير المصير البيولوجي.

وقد اعترفت السلطات الدنماركية رسميًا بهذه الانتهاكات بعد سنوات طويلة من الجدل التاريخي والنضال الحقوقي، لتكشف الوثائق أن الهدف لم يكن صحيًا كما كان يُروّج، بل كان عنصريًا وديمغرافيًا بامتياز: الحد من الإنجاب وتقليص النمو السكاني للسكان الأصليين في غرينلاند.

تشير التقديرات إلى أن نحو 4500 فتاة وامرأة خضعن لهذا الإجراء القسري. واليوم، تقرر أن تحصل كل امرأة يثبت تعرضها لهذه الممارسة على تعويض يُقدّر بنحو أربعين ألف دولار، يُصرف من خلال «صندوق المصالحة» الذي أُنشئ خصيصًا لمعالجة هذه القضية المرتبطة بالذاكرة التاريخية والانتهاكات الاستعمارية.

ومع أن هذا القرار يمثل خطوة مهمة في اتجاه الاعتراف والمسؤولية، إلا أن كثيرين يرون أن التعويض المالي، مهما بلغ، يظل عاجزًا عن جبر الضرر الحقيقي، وعن مداواة جراح نفسية وجسدية امتدت لعقود، وسُلبت خلالها أحلام الأمومة وحق الاختيار.

واللافت في هذه القضية، وهو ما يستحق التوقف عنده طويلًا، أن برلمان غرينلاند لم يقل يومًا: «يكفينا الاعتراف ولا نريد التعويض». بل على العكس، فقد طالب بالاعتراف، والاعتذار الرسمي، والتعويض المادي معًا، إدراكًا منه أن العدالة التاريخية لا تكتمل بالاعتذار وحده، بل بخطوات عملية تعيد للضحايا جزءًا من حقوقهن المسلوبة.

وهنا يفرض السؤال نفسه:هل بدأ التاريخ فعلًا في تصحيح أخطائه؟ أم أننا أمام محاولة متأخرة لتخفيف وطأة ذاكرة استعمارية لا تزال آثارها حاضرة في الأجساد والنفوس؟
بالنسبة لنا نحن الجزائريين، لا ينبغي أن يُقرأ هذا الحدث كخبر عابر، بل كدرس عميق في معنى المطالبة بالحقوق، وفي أن الجرائم الاستعمارية، مهما طال الزمن، يمكن أن تعود إلى واجهة المساءلة، إذا وُجد الوعي، والإرادة، والنضال المستمر.

زر الذهاب إلى الأعلى