أهم الأخبارمقالات

وجوه لا أنساها..«بابا عباس».. الأستاذ الذي طرق باب الرئيس فغيّر مصيره

بقلم: الأستاذ الدكتور أحمد طه
رئيس الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية

هناك أشخاص لا يغيرون حياتهم فقط، بل يغيرون حياة كل من يأتي بعدهم. ولو أنهم استسلموا في لحظة يأس واحدة، لخسر آلاف البشر معلمًا استثنائيًا.
ذلك كان الأستاذ الدكتور عباس الشربيني، أستاذ النساء والتوليد بقصر العيني، رحمه الله.
قال الدكتور مصطفى محمود يومًا: «قيمة الإنسان هي ما يضيفه إلى الحياة بين ميلاده وموته»، ولعل هذه العبارة لا أجد من يجسدها أكثر من صاحب قصة اليوم.
فالعمر لا يُقاس بعدد السنوات، وإنما بعدد القلوب التي يترك الإنسان فيها أثرًا لا يزول. ورغم أن عمر الدكتور عباس الشربيني لم يمتد طويلًا، فإن اسمه ظل حاضرًا في ذاكرة كل من تعلم على يديه أو عمل معه أو عرفه عن قرب.
وُلد الدكتور عباس الشربيني بمدينة المنصورة عام 1939، والتحق بكلية طب قصر العيني عام 1957، وتخرج عام 1963، ليعمل طبيبًا مقيمًا بقسم أمراض النساء والتوليد، وهو التخصص الذي أحبه واختاره لمستقبله.
لكن بعد انتهاء فترة إقامته، التي امتدت ثلاث سنوات، لم يُعيَّن معيدًا بالقسم، واضطر إلى قبول وظيفة معيد بقسم التشريح، وهو تخصص بعيد عن طموحاته وأحلامه.
قد تبدو هذه الواقعة للبعض مجرد محطة عابرة، لكنها بالنسبة لشاب عاشق لتخصصه كانت تعني أن حلم عمره ينهار أمام عينيه.
رسالة إلى رئيس الجمهورية
لمدة عامين كاملين، طرق الدكتور عباس كل الأبواب، وقابل أساتذة القسم، وشرح لهم موقفه، وطلب فقط أن يُمنح فرصة يرى أنه يستحقها، لكن الأبواب ظلت مغلقة.
وفي إحدى الليالي، بينما كان يستمع إلى خطاب للرئيس الراحل جمال عبدالناصر، راودته فكرة بدت في البداية مستحيلة:
لماذا لا أكتب إليه؟
ظل السؤال يطارده أيامًا. هل يمكن أن تصل رسالة طبيب شاب إلى رئيس الجمهورية؟ وهل يمكن أن يقرأ أحد شكواه؟ وهل يمكن أن يتغير بسببها شيء؟
لكنه كان قد جرب كل الطرق، ولم يعد لديه ما يخسره.
جلس أمام ورقة بيضاء وبدأ يكتب رسالة صادقة، لم تكن مجرد شكوى، بل رسالة إنسان يخشى أن يُدفن حلمه قبل أن يبدأ.
وختم رسالته بعبارة مؤثرة مفادها:
«بعد أن أُغلقت في وجهي كل الأبواب.. لم يبق أمامي إلا باب رئيس الجمهورية».
وبعد أيام قليلة، صدر قرار بتعيينه معيدًا بقسم النساء والتوليد.
استجاب له القدر أخيرًا، أو هكذا ظن. لكنه لم يكن يعلم أن بعض الأبواب حين تُفتح بعد صراع، قد تترك خلفها من لا ينسون كيف فُتحت.
لم يستسلم أمام تأخر الدكتوراه
عندما جاء موعد حصوله على الدكتوراه، كانت رسالته القديمة لا تزال حاضرة في ذاكرة بعض من اعتبروا لجوءه إلى رئيس الجمهورية تمردًا عليهم.
رأوا فيه الشاب الذي لم يقبل القرار، ورفض أن يصمت، واستطاع العودة إلى القسم رغمًا عن إرادتهم، فدفع ثمن تمسكه بحقه، وتأخر حصوله على الدرجة العلمية رغم نبوغه الواضح.
لكن الرجل الذي قاوم ضياع حلمه في المرة الأولى، لم يكن من السهل أن ينكسر في المرة الثانية.
تحمل، وواصل، وانتظر، حتى حصل على الدكتوراه وعُيّن مدرسًا للنساء والتوليد.
وهنا لم يعد الدكتور عباس الشربيني طبيبًا يبحث عن مكان داخل القسم، بل أصبح واحدًا ممن يصنعون تاريخ هذا القسم.
أستاذ يصل إلى عقول طلابه وقلوبهم
تعرفت إليه وأنا طالب في كلية طب قصر العيني، وكان من هؤلاء الأساتذة الذين لا تحتاج إلى أن تُذكّر بأسمائهم بعد مرور السنين.
مجرد سماع اسمه يعيد إلى الذاكرة القاعة، وصوته، وحركته، وضحكات الطلاب، والبالطو الأبيض الذي كان يحرص دائمًا على ارتدائه.
كان حضوره طاغيًا من دون استعراض، وكانت موهبته في التدريس استثنائية.
لم يكن يشرح المعلومة فقط، بل كان يمنحها حياة.
حين يتحدث عن مراحل الولادة، كنت تشعر أنك لا تستمع إلى وصف طبي جامد، بل تراها تتحرك أمام عينيك. كان يحول الكلمات إلى مشاهد، والشرح إلى صور، والمعلومة المعقدة إلى شيء يبدو، بعد أن ينتهي منه، بسيطًا وواضحًا ولا يُنسى.
وقبل أن تدخل الرسوم المتحركة إلى قاعات التعليم، كان الدكتور عباس الشربيني يصنعها داخل عقولنا.
وكان يمتلك قدرة نادرة على مزج العلم بالفكاهة. لم تكن نكاته مقحمة على المحاضرة، ولا محاولة لجذب الانتباه، بل كانت تخرج منه بتلقائية شديدة، وكأنها جزء من أسلوب تفكيره.
يضحك الطلاب، ثم يكتشفون أن المعلومة قد ثبتت في أذهانهم، مرتبطة بالقفشة التي لن ينسوها.
كانت محاضرته تنتهي، فيجد الطلاب أنفسهم قد فهموا الدرس وحفظوا أكثره واستمتعوا بكل دقيقة فيه.
وهذه موهبة لا تمنحها الشهادات ولا تصنعها المناصب.
فليس كل عالم قادرًا على التعليم، وليس كل من يقف أمام الطلاب قادرًا على الوصول إليهم.
أما الدكتور عباس، فكان يعرف الطريق إلى عقولهم وقلوبهم معًا.
«بابا عباس».. الاسم الذي اختاره له طلابه
لم يكن غريبًا أن تنتهي محاضراته فتتحلق حوله مجموعات من الطلبة والطالبات لالتقاط الصور التذكارية.
كان ذلك في زمن لم تكن فيه الهواتف المحمولة، ولا ذلك السعي المحموم إلى التصوير الذي نراه اليوم.
كان الطلاب يريدون صورة معه لسبب بسيط:
لأنهم أحبوه.
كانوا يشعرون أنهم لا يلتقطون صورة مع أستاذ أدى محاضرته وانصرف، وإنما مع إنسان صنع في يومهم ذكرى.
أما مع نوابه ومعيديه، فكان مدرسة أخرى.
لم يكن يراهم مرؤوسين، بل أبناءً وزملاء. يستمع إليهم، ويحاورهم، ويتقبل النقد منهم.
وكان يمتلك قدرة مدهشة على قراءة الوجوه؛ يعرف الحزين قبل أن يتكلم، ويشعر بصاحب الحاجة قبل أن يطلب.
لذلك لم يكن غريبًا أن يطلق عليه الجميع اسمًا واحدًا:
«بابا عباس».
ولم يكن هذا مجرد لقب، بل كان تعبيرًا عن مكانة حقيقية احتلها في قلوبهم.
جراح سابق لعصره
كان الدكتور عباس الشربيني جراحًا سابقًا لعصره، ومن أوائل من تبنوا إجراء الولادة القيصرية من خلال الشق المستعرض السفلي (Pfannenstiel incision)، رغم ما واجهته الفكرة آنذاك من اعتراضات.
ثم أصبحت بعد سنوات الأسلوب القياسي لإجراء معظم هذا النوع من العمليات حول العالم.
وهكذا يكون الرواد دائمًا؛ يعارضهم الناس أولًا، ثم يسير الجميع خلفهم لاحقًا.
«بابا عباس هيطلع فوق»
ومن أكثر ما كان يثير دهشة كل من عرفه، إيمانه العجيب بأنه لن يعيش حتى سن التقاعد.
قال له أحد مساعديه يومًا:
«عندما تبلغ سن المعاش…»
فقاطعه مبتسمًا:
«بابا عباس مش هيطلع معاش.. بابا عباس هيطلع فوق.. عند ربنا».
حتى سيارته الأخيرة، التي اشتراها عام 1986، أطلق عليها اسمًا غريبًا:
«سيارة الوداع».
ورغم أنه لم يكن يشكو حينها من مرض مزمن، بدا وكأنه يشعر بقرب النهاية.
وفي إحدى ليالي سبتمبر عام 1987، عاد إلى منزله بعد يوم عمل طويل، ودخل المطبخ كعادته، وقبل أن يكمل يومه داهمته أزمة قلبية حادة.
ورحل عن عمر ناهز 48 عامًا، وبعد أشهر قليلة فقط من توليه رئاسة أقسام النساء والتوليد بقصر العيني.
رحل كما كان يتوقع، ورحل كما عاش.. في هدوء.
لكن آلاف الطلاب الذين تتلمذوا على يديه لم يرحل من قلوبهم أبدًا.
الدرس الذي تركه «بابا عباس»
تعلمنا من الدكتور عباس الشربيني طب النساء والتوليد، لكن الدرس الأكبر لم يكن في الولادة ولا في الجراحة.
كان الدرس في الإصرار.
في أن الإنسان قد تُغلق أمامه كل الأبواب، لكن بابًا واحدًا من الأمل، إذا طرقه بإيمان وصدق، قد يغير حياته كلها، وربما يغير حياة آلاف من البشر من بعده.
رحم الله أستاذنا الكبير الدكتور عباس الشربيني، الذي سيظل واحدًا من الوجوه التي لا أنساها.. ما حييت.

سماح سعيد

سماح سعيد كاتبة صحفية مصرية،عضو نقابة الصحفيين
زر الذهاب إلى الأعلى