أهم الأخبارمقالات

مأساة بسنت ..عندما يصبح الاكتئاب قاتلا خفيا

بقلم سماح سعيد:

في خضم إيقاع الحياة المتسارع، وتحت وطأة ضغوط اقتصادية واجتماعية وأسرية متزايدة، يجد كثيرون أنفسهم عالقين في دائرة يومية مغلقة، يؤدون أدوارهم بشكل آلي، دون أن يمنحوا ذواتهم الحد الأدنى من الرعاية أو المراجعة النفسية.

ومع مرور الوقت، يتآكل الشعور بالرضا تدريجيًا، وتتراجع الرغبة في أداء أبسط الالتزامات، ليتحول الأمر من فتور عابر إلى نفور حاد، وقد ينتهي بالاكتئاب، ذلك المرض الصامت الذي ينهش الروح قبل الجسد.

ولم تعد هذه الحالة مجرد توصيف نظري، بل تجسدت مؤخرًا في وقائع مأساوية هزّت الرأي العام، من بينها واقعة سيدة تُدعى “بسنت” في الإسكندرية، التي أنهت حياتها بإلقاء نفسها من الطابق الثالث عشر، بعد أن ظلت لساعات تعبّر عن معاناتها دون أن تجد استجابة كافية تنقذها من لحظة الانهيار. وقبلها بأيام، شهد كوبري المظلات واقعة مشابهة لشاب أنهى حياته متأثرًا بوحدة قاتلة عقب فقدانه والديه.

هذه الوقائع، رغم اختلاف ظروفها، تكشف عن خيط مشترك يتمثل في غياب الاحتواء الحقيقي، وتراجع دوائر الدعم الاجتماعي، سواء داخل الأسرة أو في محيط المجتمع الأوسع،فمع هيمنة العالم الرقمي، تآكلت مساحات الحوار الإنساني المباشر، وتحوّل كثير من الأفراد إلى جزر معزولة، يعيش كل منهم أزماته في صمت.

ولا يمكن إغفال دور الضغوط الاقتصادية المتزايدة، وارتفاع معدلات التفكك الأسري، في تعميق مشاعر القلق والعزلة، بما يهيئ بيئة خصبة لتفاقم الاضطرابات النفسية،وهنا، لا تبدو المشكلة فردية بقدر ما هي بنيوية، تتطلب مقاربة شاملة تتجاوز الوعظ التقليدي إلى سياسات واقعية وفعالة.

إن مواجهة هذه الظاهرة تفرض على صُنّاع القرار تبني استراتيجيات واضحة لتعزيز منظومة الصحة النفسية، من خلال التوسع في إنشاء وحدات متخصصة داخل المستشفيات ومراكز الرعاية الأولية، وتفعيل خطوط دعم تعمل على مدار الساعة، إلى جانب دمج خدمات الإرشاد النفسي في المؤسسات الدينية والتعليمية، بما يضمن سهولة الوصول إلى الدعم في لحظات الأزمة.

وعلى المستوى المجتمعي، تظل المسؤولية مشتركة، تبدأ من الأسرة التي ينبغي أن تستعيد دورها كمساحة آمنة للحوار، وتمتد إلى الأصدقاء والمؤسسات، بضرورة تعزيز ثقافة الاستماع دون أحكام، والتعامل مع مؤشرات الاكتئاب بجدية، بعيدًا عن السخرية أو التقليل.

في النهاية، تظل الرسالة الأهم أن كثيرًا ممن يصلون إلى حافة الانهيار لا يسعون إلى الموت بقدر ما يبحثون عن مخرج من الألم وبين لحظة ضعف وأخرى، قد تكون كلمة صادقة، أو لفتة إنسانية، كفيلة بإنقاذ حياة كاملة.

سماح سعيد

سماح سعيد كاتبة صحفية مصرية،عضو نقابة الصحفيين
زر الذهاب إلى الأعلى