200 عام الريادة الطبية ..قصة تأسيس أول مستشفى فى عهد محمد على

تبدأ الحكاية مع بزوغ فجر الدولة المصرية الحديثة، حين أدرك محمد علي باشا أن بناء جيش مصري لا يقهر لن يكتمل إلا بوجود منظومة طبية تحمي أجساد جنوده وتؤمن قدرتهم على القتال. لم يكن هذا التوجه رفاهية سياسية، بل ضرورة حتمية فرضتها صراعات عنيفة؛ فمنذ توليه الحكم عام 1805، والرياح تهب بما لا تشتهي السفن، من تربص “الباب العالي” ومحاولته إزاحته بحملة عسكرية عام 1806، وصولاً لغزو الإنجليز في حملة فريزر 1807.
وسط هذا القلق السياسي، والمواجهات الدامية مع المماليك التي انتهت بـ “مذبحة القلعة” عام 1811، وحروبه المتلاحقة في الحجاز ضد الوهابيين، اكتشف محمد علي أن جيشه القديم المعتمد على “الألبان” غير منضبط وكثير التمرد.
ومع بزوغ فجر عام 1820، بدأ التفكير الجدي في تأسيس “الجيش النظامي” بالاعتماد على أبناء الفلاحين المصريين والسودانيين،هنا، ظهرت الحاجة الملحة لحماية هذه القوة البشرية من الأوبئة التي فتكت بالجنود وعرقلت طموحاته، خاصة وأن عام 1824 وما حوله كان محطة قاسية في تاريخ مصر الصحي، حيث واجهت البلاد موجات متكررة من الطاعون الذي كان يظهر ويختفي مخلفاً وراءه آلاف الضحايا.
كانت مصر آنذاك تفتقر إلى أي تنظيم طبي حقيقي، ولم يكن فيها سوى مستشفى عسكري متواضع في منطقة الأزبكية، بينما كانت الأوبئة تحصد الأرواح، والطب يمارس بطرق بدائية على يد الدجالين والحلاقين والحجامين،حيث أدرك محمد علي أن إنشاء جيش حديث يعني بالضرورة إنشاء مدرسة حديثة للطب، لا تعتمد على العشوائية بل على العلم.
وجاءت رحلة البحث عن “حكيم” المنظومة الجديدة ولم يكن التفكير لدي محمد علي بعيدآ عن فرنسا ففي العهد القريب كانت الحمله الفرنسيه في مصر تحمل على ظهر سفنها علماء خططوا تاريخ مصر في مجلدات كبيره عرفت بكتاب وصف مصر مما جعل انظار محمد علي تتجه الى فرنسا للبحث من يخطط تاريخ الطب في مصر ففي عام 1824.
أرسل محمد علي مبعوثاً خاصاً وهو التاجر “فلورين تورينو” إلى مدينة مرسيليا الفرنسية للتفاوض والتعاقد مع الكفاءات الطبية. ولإنجاز مهمته، استعان “تورينو” بصديقه الدكتور الشهير “كوفيير”.
وقد كان البحث يتركز على طبيبين: أحدهما للخدمة الطبية والآخر للخدمة الجراحية. ورغم وجود حوالي ستين طبيباً مرشحاً، إلا أن “كوفيير” أدرك صعوبة إيجاد رئيسين منفصلين يرغبان في عبور البحر للعمل تحت إمرة “أمير عنيد كثير المطالب” دون وقوع خلافات وصراعات بينهما في اتخاذ القرار.
قرر “كوفيير” استدعاء تلميذه الشاب أنطوان بارتليمي كلوت، الذي كان يشغل حينها منصب حكيم ومستشار للجراحة بمستشفى الأيتام في مرسيليا وكانت حياته المهنية تسير في طريق النجاح.
وافق كلوت على العرض بشرط جوهري: أن يكون رئيساً للأطباء والجراحين في آن واحد لضمان تنظيم الخدمة وتجنب تعارض القرارات، وتم توقيع العقد التاريخي في 22 ديسمبر 1824 لمدة خمس سنوات، براتب ثمانية آلاف فرنك سنوياً (وصل في نهاية مدته إلى ثلاثين ألف فرنك)، مع كسوة مرتين في العام، وإعاشة تعادل رتبة “كولونيل”، مع احتفاظه بدينه وعدم إجباره على مرافقة الجيش في الحملات.
في عام 1825 وصل كلوت بك إلى مصر، ليصطدم بواقع مرير سجله في كتابه “لمحة إلى مصر”؛ فقد وجد الطب ممسوخاً والكتب العلمية مختفية، كانت ممارسة الطب حكراً على الدجالين والمشعوذين الذين قسموا الأمراض لـ “ساخنة وباردة”، والجراحة تُركت للحجامين والحلاقين الذين انتحلوا صفة الجراحين وباشروا العمليات دون علم بالتشريح، تحت رئاسة زعيم لهم يُدعى “جراح باشا”.
في تلك الأثناء، كانت الأوبئة والطاعون قد قلصت سكان مصر إلى نحو مليونين فقط، مما كشف عن فجوة معرفية هائلة جعلت المصريين يعالجون أنفسهم بطرق ارتجالية لا تسند لعلم أو منطق.
أمام هذا الوضع، اقترح كلوت بك فوراً إنشاء “ديوان شورى الصحة” لتنظيم العمل الطبي، ومستشفى عسكري في أبي زعبل وآخر في الإسكندرية. ثم تقدم باقتراحه الأكثر جرأة: إنشاء مدرسة حديثة للطب،ورغم اعتراض مجلس شورى الصحة معللين ذلك “بعدم أهلية المصريين لتعلم العلوم الأوروبية”، إلا أن محمد علي وافق فوراً، وبدأ العمل في المدرسة عام 1827 بأبي زعبل.
لقد أثبتت رحلة الـ 200 عام أن قصر العيني لم يكن مجرد مدرسة، بل نتيجة رؤية أدركت أن القوة الحقيقية تُبنى بالعلم والإنسان، ليصبح “قصر العيني” حصن مصر العلمي وقوتها الناعمة في قلب العالم




