أهم الأخبارملفات وحوارات

بين سحب العقود وتأخر الرواتب وغموض أماكن العمل..”معلمو الحصة فوق 45 عامًا” فى مهب الريح

تحقيق سماح سعيد 

معلمو الحصة فوق 45 عاما: «أفْنينا عمرنا في التدريس.. فأين الاستقرار؟»

وسط زخم المشكلات والتحديات التي تواجه منظومة التعليم، تبرز قضية معلمي الحصة ممن تجاوزوا سن 45 عامًا، باعتبارها واحدة من الملفات التي تستحق تسليط الضوء عليها، خاصة أن هذه الفئة تضم آلاف المعلمين الذين أمضوا سنوات طويلة في العمل داخل المدارس، وقدموا جهدهم وخبراتهم في تعليم الأجيال، على أمل الحصول على فرصة للتعيين والاستقرار الوظيفي، قبل أن يجدوا أنفسهم أمام واقع يثير العديد من التساؤلات بشأن مستقبلهم المهني ومصير سنوات عطائهم.

فبعد سنوات من العمل بنظام الحصة، وما صاحبه من أعباء مهنية ومادية، بات هؤلاء المعلمون يواجهون حالة من القلق بشأن استمرارهم في العمل، في ظل ما يصفونه بغياب قواعد واضحة ومنظمة تحكم أوضاعهم الوظيفية، وعدم وجود ضمانات كافية تتيح لهم الاستقرار المادي والاجتماعي.

وكانت نادية عبد الله، مستشارة وزير التربية والتعليم لشؤون المعلمين ورئيس الإدارة المركزية، قد تحدثت، عن توفير عقود وظيفية تضمن راتبًا شهريًا ثابتًا، وتجدد سنويًا، إلى جانب إتاحة الإجازات الاعتيادية، إلا أن المعلمين يؤكدون أن ما جرى على أرض الواقع لم يتطابق مع تلك التصريحات، بعد سحب نموذج العقد الذي أُعد خصيصًا لهم، واستبداله بآخر يخلو من الضمانات والمزايا التي كانوا ينتظرونها.

وبين الوعود التي يتحدث عنها المعلمون والواقع الذي يعيشونه، تتواصل حالة الغموض بشأن طبيعة العلاقة التعاقدية، وآليات صرف المستحقات، والتأمينات الاجتماعية والصحية، فضلًا عن ضمانات استمرارهم في العمل.

ومن هنا جاءت استغاثات معلمي الحصة فوق 45 عامًا إلى موقع «نافذة مصر البلد»، أملًا في وصول أصواتهم إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، ومحمد عبد اللطيف وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، والاستجابة لمطالبهم التي يقولون إنها لا تتجاوز حقهم في حياة وظيفية مستقرة تحفظ كرامتهم بعد سنوات طويلة قضوها داخل الفصول الدراسية.

وفيما يلي شهادات عدد من المعلمين الذين تحدثوا عن معاناتهم ومطالبهم:

معلم خمسيني: أفنيت عمري في التدريس.. فأين أجد مصدر رزق آخر؟

قال شريف توفيق أحد معلمي الحصة فوق 45 عامًا:إنه يعمل في مجال التدريس منذ سنوات طويلة، مشيرًا إلى أن قانون الكادر رقم 155 لسنة 2007، قبل تعديله، تضمن في المادة 73 مسارات لشغل وظيفة معلم مساعد، سواء من خلال وزير التربية والتعليم أو المسابقات، فضلًا عن أوضاع المعلمين المؤقتين الذين صدرت قرارات بتشغيلهم من المحافظين.

وأضاف أن صدور قانون الخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016 ترتب عليه، ضرورة الرجوع إلى الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة ووزارة المالية في ما يتعلق بالقرارات الوظيفية والمالية، متسائلًا عن أسباب عدم ترجمة هذه الأطر القانونية إلى حلول مستقرة لأوضاع معلمي الحصة.

وأشار إلى أن الحديث عن العقد العام لمعلمي الحصة في 27 سبتمبر 2026 لم ينعكس، حتى الآن، بالشكل الذي كان ينتظره المعلمون، مؤكدًا أن السؤال الأكثر إلحاحًا بالنسبة له هو: «أين أبحث عن مصدر رزق آخر، وأنا بلغت من العمر 50 عامًا؟».

وأوضح أن قيمة الحصة بدأت بـ20 جنيهًا، ثم ارتفعت إلى 50 جنيهًا، إلا أن المشكلة لا تتوقف عند قيمة المقابل المادي، بل تمتد إلى تأخر صرف المستحقات، إذ يحصل المعلمون أحيانًا على أجورهم في نهاية العام الدراسي، متسائلًا: «أين العدالة في أن يعمل المعلم طوال العام دون الحصول على راتب شهري منتظم؟».

وتابع قائلا: أنا خريج كلية التربية جامعة عين شمس دفعة 1998، وكنت من المتفوقين، إلا أن إلغاء التكليف حال دون تعيينه، ليستمر طوال هذه السنوات في التدريس على أمل الحصول على التقدير المعنوي والمادي، وتحقيق الاستقرار الوظيفي، دون أن تتحقق آماله حتى الآن.

سحب العقود يثير مخاوف المعلمين.. أين التأمينات والإجازات؟

وفي سياق متصل، أوضح المعلم أنه يعمل بمدارس تابعة لإدارة البساتين التعليمية بمحافظة القاهرة منذ عام 2021، مؤكدًا أن حالة من الحيرة تسيطر على المعلمين بعد إعداد عقد خاص بمن تجاوزوا سن 45 عامًا في 31 أغسطس، ثم سحبه وتعميم عقد آخر على الجميع في 27 سبتمبر.

وتساءل عن أسباب عدم توفير التأمين الاجتماعي والصحي للمعلمين، موضحًا أن نموذج العقد الأول كان يتضمن بنودًا خاصة بالإجازات وتقييم الأداء، بينما جرى حذف هذه البنود من العقد الجديد، إلى جانب ما وصفه بوجود مطالبة بعدم التعيين.

كما أضاف أن هذه التغييرات أثارت مخاوف المعلمين بشأن مستقبلهم، متسائلًا: «هل هذا هو رد الجميل لمن قضوا سنوات عمرهم في تعليم أجيال من الطلاب؟».

وطالب بضرورة توفير عقود عمل واضحة تحترم آدمية المعلمين وتحفظ كرامتهم، حتى لو كان المقابل المادي أقل من الحد الأدنى للأجور، شريطة أن تضمن لهم راتبًا شهريًا ثابتًا ومنتظمًا، وألا يكون دخلهم مرتبطًا بنصاب الحصص فقط.

شيماء عبد الوهاب: لا نرفض العمل بالمحافظات النائية.. لكن نطالب بعقود تعيين مستقرة

من جانبها، أكدت شيماء عبد الوهاب، إحدى معلمات الحصة فوق 45 عامًا بإدارة شرق المحلة بمحافظة الغربية، أنها تواصلت مع مديرية التربية والتعليم،لتبلغها بنيتهم فى تكليفهم بالعمل في المحافظات النائية.

وأوضحت أنها لا تعترض على العمل في تلك المحافظات، لكنها تشترط أن يكون ذلك في إطار عقود تعيين ثابتة تضمن لهم الاستقرار الوظيفي، بدلًا من استمرار حالة عدم اليقين بشأن مستقبلهم.

وتساءلت قائلة: «نحن نعمل بنظام الحصة منذ سنوات، وبعضنا بدأ العمل قبل بلوغ سن 45 عامًا، فلماذا نُعامل بهذه الطريقة بعد كل هذه السنوات؟».

وأضافت أن معلمي الحصة تحملوا أعباء العمل داخل المدارس، وبذلوا جهودًا كبيرة في أداء رسالتهم التعليمية، بل إنهم تحملوا، بحسب وصفها، أعباء تتجاوز ما يتحمله بعض المعلمين المعينين، الأمر الذي يجعلهم يتساءلون عن أسباب استمرار وضعهم الوظيفي دون ضمانات واضحة.

حسن أبو كحلة: فوجئت بنقلي إلى مدرسة أخرى.. ثم أبلغوني بأنني لست ضمن خطة العمل

وفي السياق ذاته،أكد حسن أبو كحلة، أحد معلمي الحصة فوق 45 عامًا بإدارة كفر الزيات التعليمية،فى الغربية،أنه يعمل مدرسًا لمادة التاريخ بمدرسة مجدي عبد الستار الثانوية بنات بقرية أبيار، وفوجئ بطلب مديرة المدرسة نقله إلى مدرسة أخرى للبنين، بناءً على توجيهات الموجه الأول.

وتابع أنه عندما توجه إلى المدرسة الجديدة فوجئ بإبلاغه بأنه غير مدرج ضمن خطة العمل بها، الأمر الذي وضعه في حيرة بشأن مكان عمله ومصير استمراره في أداء رسالته التعليمية.

كما أشار إلى وجود تعليمات بعدم نقل المعلمين الموجودين بالفعل على رأس العمل، متسائلًا عن مصير معلمي الحصة الذين أمضوا سنوات طويلة في التدريس، ثم أصبحوا يواجهون حالة من عدم الاستقرار الوظيفي وعدم وضوح الرؤية بشأن مستقبلهم.

وتعكس شهادة حسن أبو كحلة جانبًا آخر من الأزمة، إذ لم تعد معاناة بعض معلمي الحصة تقتصر على ضعف المقابل المادي أو غياب العقود المستقرة، بل امتدت إلى عدم وضوح أماكن عملهم وآليات توزيعهم على المدارس، بما يثير تساؤلات حول ضرورة وضع قواعد موحدة تضمن حقوقهم واستمرارهم في أداء رسالتهم التعليمية.

مطالب تنتظر رد وزارة التعليم

وتضع شهادات معلمي الحصة فوق 45 عامًا عددًا من الملفات أمام وزارة التربية والتعليم، في مقدمتها ضرورة توضيح الموقف النهائي للعقود المخصصة لهذه الفئة، وتحديد طبيعة العلاقة التعاقدية، وضمان انتظام صرف الرواتب شهريًا، وتوفير الحماية التأمينية والاجتماعية والصحية، فضلًا عن توضيح موقف الإجازات وتقييم الأداء وفرص الاستقرار الوظيفي.

وتبقى القضية الأهم التي يطرحها هؤلاء المعلمون: كيف يمكن الاستفادة من خبرات معلمين أمضوا سنوات طويلة داخل المدارس، دون أن يظلوا أسرى لنظام عمل لا يوفر لهم الحد الأدنى من الأمان الوظيفي؟

فالمعلم الذي أفنى سنوات شبابه في الفصول الدراسية لا يطالب، إلا بعقد واضح، وأجر منتظم، وضمانات تحفظ كرامته وتراعي سنوات عطائه.

ويبقى السؤال أمام وزارة التربية والتعليم: هل تتحول استغاثات معلمي الحصة فوق 45 عامًا إلى قرارات واضحة تنهي سنوات القلق وتمنحهم الاستقرار الذي ينتظرونه؟

 

سماح سعيد

سماح سعيد كاتبة صحفية مصرية،عضو نقابة الصحفيين
زر الذهاب إلى الأعلى