أهم الأخبارملفات وحوارات

معركة الاستقلال العلمي.. كيف حمى عيسى حمدي باشا “قصر العيني” من التفكيك؟

في واحدة من أخطر الأزمات الإدارية والعلمية التي واجهت مدرسة الطب بقصر العيني خلال القرن التاسع عشر، خاض الأستاذ الدكتور عيسى حمدي باشا معركة حاسمة للحفاظ على استقلالها، وصون العلاقة الوثيقة بين التعليم والتدريب الإكلينيكي.

ففي عام 1884، وبعد تعيين حسن محمود باشا مديرًا للصحة العمومية، تقدم بطلب إلى وزارة الداخلية لفصل مستشفى قصر العيني عن مدرسة الطب.

بحيث يخضع أطباء العيادات لإدارة الصحة العمومية، بينما يقتصر دور أساتذة المدرسة، التابعين لوزارة المعارف، على التدريس النظري، دون ممارسة العمل الإكلينيكي داخل المستشفى.

لكن عيسى حمدي باشا عارض المقترح بشدة، مؤكدًا أن الفصل بين المدرسة والمستشفى يمثل خطرًا حقيقيًا على العملية التعليمية، خاصة أن أساتذة المدرسة كانوا الأطباء الأساسيين المسؤولين عن تقديم الدروس العملية للطلاب والإشراف على تدريبهم الإكلينيكي.

وفي شهادة تاريخية مهمة، وثّق تفاصيل الأزمة، مؤكدًا أن مدارس الطب لا تحقق الغرض منها إلا إذا ارتبطت بمستشفيات تُجرى فيها الدروس العملية، ويعاين الطلاب المرضى ويتابعون تطور الحالات ونتائج العلاج.

وأوضح أن المستشفى أُنشئ منذ البداية مرتبطًا بالمدرسة الطبية، سواء في أبي زعبل أو بعد انتقالها إلى قصر العيني، باعتباره «نموذج عملى متمم للتعليم ».

ومع تصاعد الخلاف بينه وبين وزارة الداخلية، طالب بتشكيل لجنة من الأطباء للفصل في النزاع، وبالفعل، شُكلت برئاسة تجران باشا، وكيل الخارجية، وعضوية عدد من المسؤولين والأطباء،وبعد دراسة القضية، انتهت  إلى تأييد موقف مدرسة الطب، وأصدرت قرارًا بعدم فصلها عن المستشفى.

استقلال العلم.. في مواجهة البيروقراطية
لم يتوقف الأمر عند ذلك؛ إذ تقدمت مصلحة الصحة بطلب آخر يقضي بإخضاع إدارة المحاسبة بالمستشفى لها، باعتبارها الجهة التي تتولى سداد نفقات الأغذية والأدوية وملابس المرضى.

وهكذا انتصر المبدأ  أن مستشفى قصر العيني ليس كيانًا منفصلًا عن مدرسة الطب، وإنما جناحها العملي الذي يكتمل به التعليم الطبي،أما الفصل بين التعليم النظري والممارسة الإكلينيكية، فكان يحرم الطلاب من أهم أدوات التكوين الطبي، على أيدي أساتذتهم.

صفحة جديدة من تاريخ قصر العيني
وتظل هذه الواقعة واحدة من الصفحات المهمة في تاريخ قصر العيني، ليس فقط لأنها كشفت حجم التحديات الإدارية التي واجهتها المؤسسة، وإنما لأنها جسدت مبكرًا مفهومًا أساسيًا في التعليم الطبي الحديث، وهو التكامل بين الدراسة الأكاديمية والممارسة السريرية.

سماح سعيد

سماح سعيد كاتبة صحفية مصرية،عضو نقابة الصحفيين
زر الذهاب إلى الأعلى