أهم الأخبارمقالات

فوبيا الثانوية العامة

بقلم: سماح سعيد
في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، كانت الأسر المصرية تحتفل بنجاح أبنائها في الثانوية العامة على أنغام أغنية “حياة قلبي وأفراحه” للعندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، حيث تملأ الزغاريد البيوت، ويتسابق الجميع لتوزيع الشربات والمياه الغازية على الجيران والمارة، أما من لم يحالفه الحظ، فيتحول المنزل عنده إلى ما يشبه سرادق العزاء، في مشهد ترك أثرًا نفسيًا عميقًا في أجيال كاملة.

لذا فإن لحظة إعلان النتيجة كانت حدثًا استثنائيًا؛ نحبس أنفاسنا أمام الراديو في انتظار سماع أرقام الجلوس، أو نقف أمام المدرسة بينما يعلن المدير النتيجة عبر مكبر الصوت، لحظات لا تعرف سوى نهايتين،فرحة عارمة أو صدمة موجعة.

هذه المشاهد صنعت داخلنا ما يمكن أن نطلق عليه “فوبيا الثانوية العامة”، وعندما كبرنا وتزوجنا وأنجبنا، لم نرد لأبنائنا أن يعيشوا التجربة نفسها،ورغم تغير الزمن، وتطور منظومة التعليم، وتعدد مسارات الدراسة ووصول عدد الجامعات الحكومية والخاصة والأهلية والتكنولوجية إلى نحو 130 جامعة، إلى جانب المعاهد العليا، ما زالنا أسرى لتلك العقدة منذ عقود؟.

فالثانوية العامة تمثل “البعبع” الذي يسيطر على عقول كثير من الأسر،وتتجلى هذه الأزمة في حالة التوتر والضغط النفسي التي تعيشها كل بيت لديه طالب في الثانوية العامة، مرورًا بمشاهد الأمهات اللاتي ينتظرن أمام اللجان لساعات طويلة دعمًا لأبنائهن، وصولًا إلى يوم إعلان النتيجة، حيث يرفض كثيرون الاعتراف بأن المجموع يعكس المستوى الحقيقي للطالب إذا جاء أقل من توقعاتهم، وكأننا جميعًا أنجبنا عباقرة، متناسين أن الفروق الفردية والقدرات الذهنية سنة من سنن الحياة.

السادة أولياء الأمور يبلغ عدد طلاب الثانوية العامة قرابة 900 ألف طالب،ومن المنطقي أن ندرك أن من يتولون أعمال التصحيح، سواء الإلكتروني أو اليدوي، لا يملكون الوقت أو الدافع لظلم طالب أو الانتقاص من حقه، بل إن أوراق الإجابة تمر بمراحل متعددة من المراجعة والتدقيق لضمان حصول كل طالب على حقه كاملًا، وهناك آليات تضمن مراجعة أي خطأ قد يحدث.

لذلك، فإن التشكيك الدائم في النتائج، أو تصوير الأمر وكأنه مؤامرة على الطلاب، لا يخدم أحدًا، بل يزيد من الضغوط النفسية على الأبناء، ويكرس ثقافة عدم تقبل التقييم الحقيقي.

ختامًا، علينا أولًا أن نتخلص من تلك الندبة النفسية التي تورثناها عبر السنوات، وأن نتقبل نتائج أبنائنا بموضوعية،وإذا لم يلتحق الطالب بالكلية التي كان يحلم بها، فهذا لا يعني نهاية الطريق، فاليوم توجد عشرات البدائل والفرص التعليمية والمهنية التي قد تقوده إلى مستقبل أكثر نجاحًا مما كان يتخيل،فالحياة لا تتوقف عند شهادة الثانوية العامة ولا الجامعية، النجاح الحقيقي هو أن يجتهد الإنسان في تطوير نفسه، وأن يؤمن بأن التوفيق رزق من الله، يؤتيه لمن يسعى.

سماح سعيد

سماح سعيد كاتبة صحفية مصرية،عضو نقابة الصحفيين
زر الذهاب إلى الأعلى